علاء مطر
يبدو أن عودة الحرب الإسرائيلية أدراجها من جديد في قطاع غزة، والإصرار الغربي على ضرورة مناقشة من سيحكم قطاع غزة في اليوم التالي للحرب، يفرض على الجميع نقاشا عميقا ومن أكثر من جهة، لمعرفة الجهة المناسبة لملئ هذا الفراغ، في الوقت الذي ترفض إسرائيل حتى اللحظة كلا من حماستان وفتحستان للسيطرة على القطاع، أو حتى مناقشة الأمر، إلا أن الضغط العالمي والأمريكي خصوصا سيجبر إسرائيل على مناقشة هذا الأمر، خصوصا وأنها ترفض ولو إعلاميا السيطرة المدنية على القطاع بعد الحرب.
وفي زحمة المناقشات الإعلامية التي بدأتها الفضائيات ووسائل الاعلام الفلسطينية والعربية وحتى العالمية، خرج أحد قادة حماس، ليؤكد بأنه بعد انتهاء الحرب لن يحكم غزة أحد على ظهر دبابة إسرائيلية، وأن من سيحكم غزة هو من يختاره الشعب، وقبل ذلك ستكون الأجهزة الشرطية والأمنية جاهزة لفرض الأمن، متفاخرا بأن ذلك سيكون ضربة تجاه من راهن على سقوط حماس أو من ظن أنه قادر على دخول غزة وحكمها دون قرار شعبي"، في رفض واضح لعودة السلطة الفلسطينية التي أخرجتها حماس بقوة السلاح عام 2007 من القطاع المحاصر والمدمر.
كنت أتمنى من حماس وقادتها الأفذاذ أن يناقشوا الأمر بكل منطقية وواقعية، خاصة وأن قطاع غزة سيحتاج عشرة أعوام على الأقل للانتهاء من اعمار البيوت المدمرة جراء حرب الإبادة الإسرائيلية التي لم تنته بعد، وإعادة بناء البنى التحتية والمياه وشبكة الكهرباء والطرق والمنشآت، دون أن ننسى سقوط منظومة التعليم والصحة وتدمير البنية الاجتماعية والنفسية، وليس بعيدا الكثير من القضايا العالقة.
اعتقدت لفترة وجيزة، أن حماس أكثر ذكاء من هذا، وأنها بالرسم الاستراتيجي لنظرية ليبرمان ومن خلفه أطراف عديدة إغراق الحركة في حكم غزة انتهى بعد ٧ أكتوبر، وكنت افكر أن الذي تعتبره إسرائيل هدفا رئيسيا للحرب، تعتبره حماس إنجازا سياسيا كبيرا يحسب كهدف حققته في دفع كل الأطراف للبحث عمن يدير أزمات القطاع بعيدا عن نظرية إغراقها، لكن بعد تصريحات قيادة الحركة، تيقنت من جديد أن هذه القيادة مهووسة وغير صالحة أصلا لقيادة هذا الشعب الذي تم اغراقه في حرب إبادة غير متوقعة وغير محسوبة النتائج والعواقب، لمجرد أن قيادة حماس تريد ذلك بدون أي أفق واضح.
إن هذا الحديث، يثبت بدون أي شك، أن هناك فجوة عميقة بين تفكير قيادة حماس التي تحكم قطاع غزة، وبين الواقع والحقيقة، نحن في كارثة كبيرة جدا، قد يصل الى "ترانسفير" جديد ولجوء جديد وهجرة جديدة، وقيادة حماس تقول إنها لن تسمح لأحد بحكم القطاع دون موافقتها أو مشاركتها، بؤسا لهذا التفكير، على الأقل فلتنتظر لنهاية الحرب، وكيف سيكون شكل القطاع بعد انتهائها.
ولأن تفكير قيادة حماس هو "تفكير تربصي" بدا أن كل همّهم هو ألا يتم انتزاع الحكم من يدهم، رغم أنه من المستحيل أن يبقى هذا الحكم الذي بني أصلا على باطل، بعد انتهاء الحرب، وكيفية الحفاظ عليه "إلى يوم القيامة" كما قالها أحد قيادتهم يوم الانقلاب الأسود في يونيو 2007، فبدلا من التفكير في انهاء الحرب ومعاناة 2.5 مليون غزاوي من جوع وفقر وقتل ودمار، يفكرون في استمرار حكمهم، ما لكم كيف تحكمون وكيف تفكرون؟
ان انقلاب الأولويات لدى قيادة حماس، يؤكد أنهم حديثي العهد بالسياسة والحكم، وأنهم يعتقدون أن إدارة البلاد مثل إدارة مسجد في أحد أحياء قطاع غزة، بلجانه الاجتماعية، وهذا خطأهم منذ بداية دخولهم عالم السياسة، ليمارسوها بشكل بدائي جدا، ومشوه، لتصبح الحكاية بالنسبة لهم أن قتل عشرات الآلاف من أهالي غزة أمر طبيعي، وأنها "ثمن الكرامة والحرية"، أما مجرد الحديث عن استبعادهم عن حكم القطاع، فهو الكارثة والمصيبة التي ستدمر القضية الفلسطينية وتعيدها عشرات السنين، بئسا لكم ولحكمكم..!