رصاص الاحتلال يحرم طفلا فلسطينيا من النظر للأبد

رصاص الاحتلال يحرم طفلا فلسطينيا من النظر للأبد

رام الله الإخباري

ينتظر الطفل الفلسطيني صالح عاشور (17 عاما) بفارغ الصبر رفع ضماد طبي يغطي عينيه، جراء اصطدام قنبلة غاز مُدمع برأسه. 

هذا ما يعتقده عاشور، لكن الحقيقة المرة التي يخفيها أهله عنه، تتمثل في فقدانه بصره بشكل كامل.

فالفتى الفلسطيني، لا يدرك أن رصاصة إسرائيلية دخلت من فوق أذنه اليُمنى، وخرجت من عينه اليُسرى؛ تسببت في وقت لاحق بفقدان كلتا عينيه وحرمته من "البصر" للأبد. 

وأصيب عاشور خلال المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل الإثنين 14 مايو/ أيار الجاري، بحق متظاهرين فلسطينيين قرب حدود غزة، كانوا يحتجون على نقل السفارة الأمريكية للقدس، ويحيون ذكرى "النكبة"، وهو ما أسفر عن استشهاد 65 شخصا وجرح الآلاف. 

وتبرر عائلة الفتى، إخفاء حقيقة إصابته عنه، بخوفه من تدهور حالته الصحية، خاصة وأنه ينتظر رفع الضمادات البيضاء عن وجهه، كي يرى ملامح والدته، كما يقولون. 

**المشهد الأخير 

لم يكن المشهد الأخير الذي رآه الطفل عاشور قبيل فقدانه لحاسة البصر بشكل نهائي، سعيدا، بل كانت مشاهد الجرحى والشهداء الذين يتساقطون حوله، قرب الحدود الشرقية لمخيم البريج، وسط قطاع غزة. 

ويذكر الطفل الفلسطيني لمراسلة الأناضول، أنه في يوم الإثنين الماضي، ذهب للمرة الأولى للمشاركة في مسيرة "العودة وكسر الحصار" إحياءً لذكرى النكبة الفلسطينية، واحتجاجا على نقل السفارة الأمريكية بإسرائيل إلى القدس. 

ولم يكن يتخيل أن يواجه الجيش الإسرائيلي، المتظاهرين السلميين بهذا القدر من العنف، حيث اضطر فور وصوله المنطقة الحدودية، على الانبطاح أرضا لتفادي الرصاصات الإسرائيلية التي كانت أصواتها تدوّي فوق رأسه. 

في ذلك الوقت، شعر الطفل عاشور بالخوف الشديد، وتسارعت خفقات قلبه، وتزامن ذلك مع بدء تساقط جرحى وشهداء حوله، بسبب تكثيف إطلاق الجيش الإسرائيلي للرصاص الحي باتجاه المتظاهرين. 

وما هي إلا ثوانٍ حتّى ارتفعت طائرة إسرائيلية صغيرة مُسيّرة عن بعد فوق رؤوس المتظاهرين، ومن بينهم الفتى عاشور، وألقت أكثر من 20 قنبلة غاز مسيل للدموع دفعةً واحدة. 

ذلك المشهد هو آخر ما رآه عاشور، وهو ما جعله يعتقد، أن واحدة من تلك القنابل أصابته، وتسببت بمضاعفات صحية لعينيْه. 

ويقول إنه لا يذكر ما حدث بعد تلك الإصابة، لكنّه استيقظ بعد عدة ساعات ووجد نفسه في مستشفى الشفاء الطبي، كما قال له أحد الأطبّاء هناك. 

**مجهولا في المستشفى 

فور وصوله لمستشفى الشفاء بمدينة غزة، مكث عاشور لمدة يوم كامل، وحيدا، حاملا اسما آخرا، غير اسمه الحقيقي، لذا لم يتمكن أفراد عائلته، الذين هرولوا فور سماعهم لخبر إصابته للبحث عنه في كافة مستشفيات قطاع غزة، من العثور عليه. 

ويقول محمد أبو عُرمانة، ابن خال الطفل عاشور، لمراسلة الأناضول:" كانت إصابته خطيرة جدا في الرأس، وتعرفنا عليه بعد يوم كامل من تلك الإصابة". 

وأشار أبو عرمانة إلى أن الأطباء أجروا يوم الأربعاء الماضي، عملية لعاشور تم خلالها استئصال عينه اليسرى، مخرج الرصاصة. 

وصباح أمس الأحد، تم استئصال عينه الأخرى بعد أن كان هناك أمل بنسبة 30% في أن تتعافى. 

وأضاف:" قال الأطباء إن العين اليُمنى تم تجميعها (بعد تمزقها بفعل الرصاصة الإسرائيلية)، وكان هناك أمل لكي يرى فيها، لكن تم استئصالها أيضا أمس". 

ويعجز أبو عُرمانة عن وصف شعور والدا الفتى عاشور، عند سماعهما خبر فقدانه للبصر بشكل نهائي. 

ويسعى أفراد عائلة الطفل عاشور من أجل استصدار تحويلة طبية له ليتلقى العلاج بالخارج بهدف وقف تدهور حالته الصحية، لكن "الكثير من العوائق"، حالت دون ذلك، وفق أبو عرمانة. 

وناشد الحكومات العربية والإسلامية، بتكفل استكمال علاج الفتى عاشور خارج قطاع غزة.

**أحلام صغيرة 

ويحلم الفتى عاشور، بأن يصبح طبيب أطفال أو طبيب جراح، ويقول إنه بات يمتلك "الجرأة التي تمكّنه من التعامل مع الجرحى، وأنه مستعد لبذل كافة الجهود لإنقاذ أرواحهم". 

لكن تحقيق هذه الأمنية، لم يعد ممكنا، بعد فقدانه لحاسة البصر بشكل نهائي، وهو ما يجهله حتى الآن. 

أما عن أحلامه الآنية، فإنه يتمنى أن يشفى سريعا، لأنه اشتاق لملامح وجه والدته، التي تبعث على "الأمان"، كما قال. 

وأصابت القوات الإسرائيلية أكثر من 13 ألف فلسطيني خلال نحو شهرين، في اعتداءها على مسيرات "العودة" السلمية قرب حدود غزة. 

وبدأت مسيرات العودة، في 30 مارس/آذار الماضي، حيث يتجمهر آلاف الفلسطينيين، في عدة مواقع قرب السياج الفاصل بين القطاع وإسرائيل، للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها عام 1948. 

الاناضول